أبحاث وكتابات الدكتور محمد دودح

بسم الله الرحمن الرحيم

أسئلة طبية وإجاباتها في مجال الإعجاز العلمي

سؤال 1

28/01/1427هـ

أود أن أستفسر عن بعض الأمور التي أفكر فيها كثيراً، ولا أجد لها جواباً، ومنها سؤالان هما:
1-
قال تعالى: "ويجعل من يشاء عقيماً" فقد فكرتُ في هذه الآية، وخطر على بالي موضوع العمليات التي تجرى اليوم وثبت نجاحها، وهي ما يسمى بـ(عمليات أطفال الأنابيب)، فهل من كان عقيماً يستطيع إجراء هذه العملية المذكورة آنفاً، وبالتالي يكون له أطفال، مع أن هذا الأمر (العقم) قدَّره الله عليه؟
2-
قال تعالى: "ويعلم ما في الأرحام". عندما نظرت في هذه الآية تذكرت أن العلم الحديث استطاع معرفة ما في رحم الأم هل هو ذكر أم أنثى، فطالما أن الآية أفادت أن علم ما في الأرحام يختص به الله وحده سبحانه، فكيف يعلم الأطباء –اليوم- ما في رحم المرأة هل هو ذكر أم أنثى؟ أرجو أن ترشدوني.

 

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.. وبعد:
فأقول مستعينا بالعلي القدير –سبحانه- القادر وحده على كل شيء:
في قوله تعالى: "لِلّهِ مُلْكُ السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ الذّكُورَ أَوْ يُزَوّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً وَيَجْعَلُ مَن يَشَآءُ عَقِيماً إِنّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ" [الشورى:49-50]؛ بيان بنفاذ مشيئة الله في كل شيء وطلاقة قدرته تعالى, والعقم اصطلاحا: حالة لا أمل في علاجها كما في حال الفشل الدائم للخصيتين أو المبيضين, أما إذا عولجت الحالة فلا تسمى حينئذ عقما أصلا، وإنما ضعفا في الخصوبة لأسباب يمكن بوسيلة أو أخرى علاجها, فإن شفيت حالة فهي ضعف في الخصوبة, وأما العقم فلا علاج له.
ومن أصول الإيمان اليقين بأنه لا يقع شيء إلا بقدر الله وفق ما يشاء تعالى, فإن تقدم الطب وتمكن من معرفة بعض الأسباب المانعة للحمل وتمكن من علاجها فهو بقدر الله تعالى, وإن لم يتمكن الطب من علاج بعض حالات غير ممكنة العلاج أو مجهولة الأسباب فهو بقدر الله تعالى, وليس لأحد أن يدعي العلم بقدر الله تعالى.
وتتكون جميع بويضات المرأة عندما تكون جنينا ثم تنضج بويضة كل شهرين من كل مبيض بالتتابع عند البلوغ, ويستمر نضوج بويضة شهريًّا خلال فترة خصوبة المرأة حتى تستنفذ رصيدها من البويضات عند بلوغ سن اليأس, ولذا ينقطع الأمل في الإنجاب بكِبر الزوجة، بينما لا ينقطع بكِبر الزوج.
والعجيب أن يفرّق الذكر الحكيم بين عدم إنجاب المرأة مع الأمل بسبب كِبر الزوج بلفظ "عاقر"، وبين انقطاع الأمل بسبب كِبرها هي بلفظ "عقيم"؛ فلم يَحِد عن وصف حال زوجة زكريا -عليهما السلام- عند كِبره بلفظ "عاقر", يقول تعالى: "ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيّآ إِذْ نَادَىَ رَبّهُ نِدَآءً خَفِيّاً قَالَ رَبّ إِنّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنّي وَاشْتَعَلَ الرّأْسُ شَيْباً وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَآئِكَ رَبّ شَقِيّاً وَإِنّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَآئِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِراً فَهَبْ لِي مِن لّدُنْكَ وَلِيّاً يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبّ رَضِيّاً يَزَكَرِيّآ إِنّا نُبَشّرُكَ بِغُلاَمٍ اسْمُهُ يَحْيَىَ لَمْ نَجْعَل لّهُ مِن قَبْلُ سَمِيّاً قَالَ رَبّ أَنّىَ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِراً وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيّاً قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبّكَ هُوَ عَلَيّ هَيّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً" [مريم:2-9]، ويقول تعالى: "هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيّا رَبّهُ قَالَ رَبّ هَبْ لِي مِن لّدُنْكَ ذُرّيّةً طَيّبَةً إِنّكَ سَمِيعُ الدّعَآءِ فَنَادَتْهُ الْمَلآئِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلّي فِي الْمِحْرَابِ أَنّ اللّهَ يُبَشّرُكَ بِيَحْيَـىَ مُصَدّقاً بِكَلِمَةٍ مّنَ اللّهِ وَسَيّداً وَحَصُوراً وَنَبِيّاً مّنَ الصّالِحِينَ قَالَ رَبّ أَنّىَ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَقَدْ بَلَغَنِي الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ" [آل عمران:38-40]، ومع اليأس من الحمل وانقطاع الأمل لكِبر الزوجة عدل في وصف حال زوجة إبراهيم -عليهما السلام- إلى التعبير بلفظ "عقيم", يقول تعالى: "هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ إِذْ دَخَلُواْ عَلَيْهِ فَقَالُواْ سَلاَماً قَالَ سَلاَمٌ قَوْمٌ مّنكَرُونَ فَرَاغَ إِلَىَ أَهْلِهِ فَجَآءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ فَقَرّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلاَ تَأْكُلُونَ فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُواْ لاَ تَخَفْ وَبَشّرُوهُ بِغُلاَمٍ عَلَيمٍ فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرّةٍ فَصَكّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ قَالُواْ كَذَلِكِ قَالَ رَبّكِ إِنّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ" [الذاريات:24-30]، فالفارق أن زوجة إبراهيم "عجوز" بينما لم يمثل كِبر الزوجين فارقا, يقول تعالى: "وَلَقَدْ جَآءَتْ رُسُلُنَآ إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَىَ قَالُواْ سَلاَماً قَالَ سَلاَمٌ فَمَا لَبِثَ أَن جَآءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ فَلَمّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لاَ تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُواْ لاَ تَخَفْ إِنّا أُرْسِلْنَا إِلَىَ قَوْمِ لُوطٍ وَامْرَأَتُهُ قَآئِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِن وَرَآءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ قَالَتْ يَوَيْلَتَا أَأَلِدُ وَأَنَاْ عَجُوزٌ وَهَـَذَا بَعْلِي شَيْخاً إِنّ هََذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ قَالُوَاْ أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ رَحْمَةُ اللّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنّهُ حَمِيدٌ مّجِيدٌ" [هود:69-73].
والتمييز بين اللفظين على لساني زكريا وامرأة إبراهيم -عليهم جميعا السلام- إنما هو في علم البشر، بينما قضت مشيئة الله تعالى لكليهما بالذرية, وإذا غابت مشيئة الله تعالى عن مدارك هؤلاء على فضلهم وفاجأهم قضاؤه فكيف يدعي اليوم من هو دونهم العلم بالغيب، ويتوهَّم أن الله حكم بالعقم على شخص فنجح طبيب في علاجه معارضًا المشيئة العلية!, وهل يُعارض قدر الله تعالى أحد!.
وفي قوله تعالى: "وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَآ إِلاّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاّ فِي كِتَابٍ مّبِينٍ" [الأنعام:59]؛ قصرت الآية الكريمة العلم التفصيلي المسبق بكل مقدر الحدوث قبل وقوعه على الله –تعالى- وحده، وجعلته غيبا عن علم البشر.
وذكر القرآن خمسا تتعلق بحياة الإنسان ومصيره؛ يقول تعالى: "إِنّ اللّهَ عِندَهُ عِلْمُ السّاعَةِ وَيُنَزّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مّاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنّ اللّهَ عَلَيمٌ خَبِيرٌ"[لقمان:34]، أطلق التعبير (وَيَعْلَمُ مَا فِي الأرْحَامِ) على الله فشمل كل مغيب عن مشروع الإنسان المقبل ومستقبله ومصيره بعد الحساب مما ليس بمقدور بشر إدراكه فضلا عن الإحاطة بتفاصيله.
ولا يعارض القرآن إذن معرفة الطب حاليًّا ببعض أحوال الجنين، لأن المحجوب هو العلم المحيط به قبل أن يخلَّق.
وقد سئل فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين -رحمه الله-: كيف نوفق بين علم الأطباء الآن بذكورة الجنين وأنوثته، وقوله تعالى: )وَيَعْلَمُ مَا فِي الأرْحَامِ)؟ فأجاب بقوله: "قبل أن أتكلم عن هذه المسألة أحب أن أبين أنه لا يمكن أن يتعارض صريح القرآن الكريم مع الواقع أبداً، وأنه إذا ظهر في الواقع ما ظاهره المعارضة فإما أن يكون الواقع مجرد دعوى لا حقيقة له، وإما أن يكون القرآن الكريم غير صريح في معارضته؛ لأن صريح القرآن الكريم وحقيقة الواقع كلاهما قطعي، ولا يمكن تعارض القطعيين أبداً, فإذا تبين ذلك فقد قيل: إنهم الآن توصلوا بواسطة الآلات الدقيقة للكشف عما في الأرحام، والعلم بكونه أنثى أو ذكراً، فإن كان ما قيل باطلاً فلا كلام، وإن كان صدقاً فإنه لا يعارض الآية، حيث إن الآية تدل على أمر غيبي هو متعلق علم الله تعالى في هذه الأمور الخمسة، والأمور الغيبية في حال الجنين هي: مقدار مدته في بطن أمه وحياته وعمله ورزقه، وشقاوته أو سعادته، وكونه ذكراً أم أنثى قبل أن يخلَّق، أما بعد أن يخلق فليس العلم بذكورته أو أنوثته من علم الغيب؛ لأنه بتخليقه صار من علم الشهادة، إلا أنه مستتر في الظلمات الثلاث التي لو أزيلت لتبين أمره.
ولا يبعد أن يكون فيما خلق الله تعالى من الأشعة أشعة قوية تخترق هذه الظلمات حتى يتبين الجنين ذكراً أم أنثى.. قال ابن كثير رحمه الله..: (وكذلك لا يعلم ما في الأرحام مما يريد أن يخلقه تعالى سواه، ولكن إذا أمر بكونه ذكراً أو أنثى أو شقياً أو سعيداً علم الملائكة الموكلون بذلك ومن شاء من خلقه).., وإذا كانت الآية لا تتناول ما بعد التخليق، وإنما يراد بها ما قبله فليس فيها ما يعارض ما قيل من العلم بذكورة الجنين وأنوثته.., ولا يمكن أن يناقض صريح القرآن الكريم أمراً معلوماً بالعيان" [مجموع فتاوى ورسائل الشيخ محمد صالح بن العثيمين].
وعندما يُصَب المني في المجاري التناسلية للمرأة ينقبض الرحم ويغور للداخل بسبب مادة منوية تسمى بروستاجلاندين (Prostaglandin) ويعينها تقلص لا إرادي يقع للمرأة يصاحب نشوة الجماع (Orgasm), وبهذا يعمل الرحم عمل المضخ (pumpaction) بطريقة تماثل عمل شفاطة لبن الثدي المطاطية التي تنقبض لتدفع الهواء، ومع الانبساط يقل الضغط داخلها فتشفط اللبن, وبالمثل ينبسط الرحم لاحقا فيعين الحيوانات المنوية على بلوغ البويضة قرب نهاية قناة الرحم, ولذا لا يقل دوره هذا أهمية عن دوره في حفظ الحمل على طول مراحله، حيث يزداد حجما بما يتناسب ومتطلبات الجنين, وتحمل البويضة نصف عدد الفتائل الوراثية (الكروموزومات)، ويحمل الحوين النصف الآخر, وتتسابق الحيوانات المنوية وتعلو في المجاري التناسلية للمرأة ليحقق الفوز في بلوغ البويضة وإخصابها إما حيوان يحمل شارة الذكورة (كروموزوم بهيئة Y) فيكون الجنين المرتقب ذكراً -بإذن الله- وإما حيوان يحمل شارة الأنوثة (كروموزوم بهيئة X) فيكون الجنين أنثى بإذن الله, والبويضة الملقحة (Zygot) أشبه ما تكون بقطيرة أو "نطفة" لكنها تعرض لمن يمكنه القراءة كتابا بمشروع الجنين, وقبل تلقيح البويضة وتشكل الخريطة الوراثية وتخلَّق الجنين لا يمكن الحديث طبيًّا عن جنسه أو صفاته الجسدية, وبتلقيحها تتضاعف الفتائل الوراثية، وبالانقسام تتزايد الخلايا وبنمو الجنين يزداد الرحم، ولذا يعتبر الحمل كله وجوها من الازدياد.
وفي قوله تعالى: "اللّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلّ أُنثَىَ وَمَا تَغِيضُ الأرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ" [الرعد:8-9]، أكدت الآية الكريمة قصر العلم التفصيلي المسبق بكل مقدر الحدوث قبل وقوعه على الله تعالى وحده، لكنها جمعت لله تعالى وحده ما هو بالنسبة للبشر غيب لم يقع بعد، فضلا عما هو شهادة متحقق الحدوث, وراعت ترتيب علم الله تعالى بالغيب بالنسبة للبشر ليناظر غيض الأرحام وترتيب العلم بالشهادة ليناظر زيادتها, ويعرف هذا الأسلوب عند اللغويين باسم "اللف والنشر" ويعني أن الأرحام تغيض قبيل تخلّق الجنين وازديادها, وبالفعل ينقبض الرحم ويغور للداخل قبل وقوع الإخصاب، وتشكل الخريطة الوراثية، ولا يمكن لأحد حينئذ سوى الله تعالى وحده العلم بخصائص الجنين أو ذكورته وأنوثته.
وفعل (تَغِيضُ) منسوب ابتداء في الآية الكريمة إلى (الأرْحَام)، وفي مقابل الازدياد خاصة يفيد كما في اللغة الغور والنقصان, وكذلك في القرآن؛ يقول تعالى: "وَقِيلَ يَأَرْضُ ابْلَعِي مَآءَكِ وَيَسَمَآءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَآءُ" [هود:44]، ويقول تعالى: "أَوْ يُصْبِحَ مَآؤُهَا غَوْراً فَلَن تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَباً" [الكهف:41]، ويقول تعالى: "قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَآؤُكُمْ غَوْراً فَمَن يَأْتِيكُمْ بِمَآءٍ مّعِينٍ" [الملك:30]، وفي لسان العرب: "غاض الماء يغيض غيضا.. نقص أو غار" [لسان العرب (7/201)].
والخلاصة أن الله تعالى يعلم بمستقبل ومصير الإنسان المقبل الذي لم يتخلق بعد حال غيض الأرحام تماما كما هو حال زيادتها بعد تخلقه.
ويأتي الحديث مؤيدا نسق القرآن الكريم في قصر الغيب المطلق عن علم البشر على حال غيض الأرحام قبل تخلق الجنين دون حال ازديادها بعد تخلقه؛ ففي الحديث الذي رواه البخاري وغير واحد: "عن ابن عمر -رضي الله عنهما- عن النبي –صلى الله عليه وسلم- قال: "مفاتيح الغيب خمس لا يعلمها إلا الله، لا يعلم ما تغيض الأرحام إلا الله، ولا يعلم ما في غد إلا الله، ولا يعلم متى يأتي المطر أحد إلا الله، ولا تدري نفس بأي أرض تموت إلا الله، ولا يعلم متى تقوم الساعة إلا الله)" [صحيح البخاري (6/2687), (4/1733), تفسير ابن كثير (2/503), تفسير الثوري (1/239), الدر المنثور (3/277), صحيح ابن حبان (1/273), السنن الكبرى (6/370), عمدة القاري (18/313), (25/86), التمهيد لابن عبد البر (24/379)].
قال ابن كثير: "هذه مفاتيح الغيب التي استأثر الله تعالى بعلمها فلا يعلمها أحد.. فعلم وقت الساعة لا يعلمه نبي مرسل ولا ملك مقرب.. وكذلك إنزال الغيث لا يعلمه إلا الله، ولكن إذا أمر به علمته الملائكة، ومن يشاء الله من خلقه، وكذلك لا يعلم ما في الأرحام مما يريد أن يخلقه تعالى سواه، ولكن إذا أمر علمته الملائكة، ومن شاء الله من خلقه، وكذا لا تدري نفس ماذا تكسب غدا، وما تدري نفس بأي أرض تموت.. وقد وردت السنة بتسمية هذه الخمس مفاتيح الغيب"[ تفسير ابن كثير (3/454)].
وقد ورد في الحديث أن الملائكة تعلم بحال الجنين منذ بدء تكون النطفة, ففي الحديث الذي رواه البخاري وغير واحد: عن أنس بن مالك –رضي الله عنه- عن النبي –صلى الله عليه وسلم- قال: "إن الله عز وجل وكل بالرحم ملكا يقول: يا رب نطفة، يا رب علقة، يا رب مضغة. فإذا أراد أن يقضي خلقه، قال: أذكر أم أنثى؟ شقي أم سعيد؟ فما الرزق والأجل؟ فيكتب في بطن أمه". [صحيح البخاري (1/121), (3/1213), (6/2433), وصحيح مسلم (4/2038), مسند أحمد (3/116), (3/148)].
يقول فضيلة الشيخ عبد المجيد الزنداني: "وإذًا هناك نصوص قد بينت بجلاء أن الأمر المحجوب عن علم غير الله إنما هو في مرحلة ما قبل تكون الجنين، فعلمنا أن الأرحام قبل أن تزداد حتى يراها كل المحيطين بالحامل تعاني من حالة تقلص وانكماش وغور ونقصان, وفي تلك الفترة حال الجنين المرتقب محجوب عن علم غير الله تعالى.., (فهو) مفتاح من مفاتيح الغيب يفتح على أبواب مغلقة، ولا يملكه دون الخالق سبحانه أحد.. وأما حمل الغيض على دم الحيض (أو السقط) فلا يتفق مع كونه مفتاحا للغيب لأنه لن ينشأ منه جنين, وبإجماع علماء المسلمين مفتاح الغيب متعلق بالإنسان الذي سيخلق وقد تقرر في علم الله تعالى أن له مستقبلا مغيبا وليس دم الحيض (أو السقط) كذلك.
وفي مرحلة الغيض يستحيل على إنسان أن يعرف صفات الجنين المقبل.. ولو جئت بصفين؛ وقلت: أنا سأصنع من هذه الأحجار بناء هل سيعلم أحد السامعين يقينا أيكون من الصفين مدرسة أم مستشفى؟ فيلا أم عمارة ؟ هكذا الجنين في مرحلة الغيض لا يعلم أحد -غير الله تعالى- بما سيكون عليه حاله" [من مقالات الشيخ عبد المجيد الزنداني].
ولو افترضنا جدلا إذن إمكان قراءة الخريطة الوراثية عند تخلق الجنين ومعرفة صفاته وجنسه فلن ينقض هذا نصوص الوحي.

 

(((((((())))))))))

سؤال 2

تفسير قوله تعالى: (يخرج من بين الصلب والترائب)

25/10/1426هـ

يقول الله تعالى في كتابه العزيز في سورة الطارق: "فلينظر الإنسان مم خلق، خلق من ماء دافق يخرج من بين الصلب والترائب". والصلب هو ظهر كل من الجنسين، والترائب هي صفائح الصدر لكل من الجنسين، ونحن نعلم أن الحيوانات المنوية تتكون على مستوى الخصيتين، وأن البويضات تتكون على مستوى المبيض، فكيف ذلك؟

 

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله, أما بعد:
فأقول مستعينا بالله القادر، سائله تعالى التوفيق والسداد:
من مآثر علماء السلف -رحمهم الله جميعاً- في تناولهم للكتاب العزيز اعتبار دلالة السياق والقرائن وبلوغ قاعدة في التفسير تعالج دلالة النص، مع ما يشترك معه في نفس الموضوع وفق القول المشهور: "القرآن يفسر بعضه بعضا", وفي قوله تعالى: "فَلْيَنظُرِ الإِنسَانُ مِمّ خُلِقَ. خُلِقَ مِن مّآءٍ دَافِقٍ. يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصّلْبِ وَالتّرَآئِبِ. إِنّهُ عَلَىَ رَجْعِهِ لَقَادِرٌ. يَوْمَ تُبْلَىَ السّرَآئِرُ. فَمَا لَهُ مِن قُوّةٍ وَلاَ نَاصِرٍ" [الطارق 5-10].
(
مّآءٍ دَافِقٍ) وصف للمني العديد المكونات بالماء العديد النطف أو القطرات مبينة تحركها ذاتيا بنشاط باسم الفاعل (دافق) قبل أن يعاين كثرتها وحركتها تحت المجهر إنسان, ويناسب تنكير لفظ (ماء) تعدد خصائص المني بتعدد الأفراد, وضمير الفعل (يخرج) يحتمل رجوعه لأحد المذكورين: إما (الماء الدافق) أو (الإنسان) بنوعيه من الذكر والأنثى, ولا عبرة بأقرب المذكورين إذا دلت قرائن السياق على رجوعه للأبعد وهو (الإنسان)، خاصة أنه موضوع الحديث وفق التعبير (فَلْيَنظُرِ الإِنسَانُ مِمّ خُلِقَ), وكافة الضمائر سواه تصلح أن تعود على (الإنسان)، ولا تصلح أن تعود على (الماء) بقرينة التعبير (يَوْمَ تُبْلَىَ السّرَآئِرُ), وهو باتفاق يوم القيامة؛ لأن المني لا يصح وصفه بإمكان إعادته حيا ليحاسب في التعبير (إِنّهُ عَلَىَ رَجْعِهِ لَقَادِرٌ) وإنما يصلح الوصف للإنسان, ولا يصح أن يوصف بأنه فاقد القوة الذاتية ونصرة الأهل والعشيرة أو الصحبة والأنصار في التعبير (فَمَا لَهُ مِن قُوّةٍ وَلاَ نَاصِرٍ) وإنما يصلح للإنسان, ولا خلاف في عودة ضمير (مِمّ خُلِقَ) وضمير (خُلِقَ) على (الإنسان), والأصل عند المحققين عدم تشتيت مرجع الضمائر.
والتعبير (فَلْيَنظُرِ الإِنسَانُ مِمّ خُلِقَ) يدعو لتأمل أصل الإنسان، فيرجع به نحو الماضي الأقرب ومنه إلى الأصل الأبعد, وأصله الأقرب من الجين الأسبق يبينه التعبير (خُلِقَ مِن مّآءٍ دَافِقٍ), والأصل الأبعد عند تكون أعضاء أجنة الجين الأسبق بناء على المعرفة الطبية تكوين بدايات الخصية والمبيض كعضوي إنجاب الذرية في الظهر، وخروجها في الجنسين من بين عظام الظهر أو الصلب وعظام الصدر أو الترائب لينزل المبيض للحوض والخصية لكيس الصفن قبل الولادة, فيصلح أن يكون التعبير (يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصّلْبِ وَالتّرَآئِبِ) وصفا لموضع خروج الإنسان من ظهور الآباء باعتبار أصله، خاصة أن فعل الخروج ورد كثيراً في القرآن للإنسان بيانا لخروجه من بطون الأمهات ويوم البعث للحساب، بينما لم يرد قط للمني, وحينئذ يستقيم المعنى، ويزول الإشكال، وتتطابق دلالة النص الشريف مع أدق وأثبت معطيات العلم الحديث, والله تعالى أعلم.

 

 (((()))))

سؤال3

تطور الجنين كما حكاه القرآن

السلام علبكم ورحمته وبركاته.
أريد من فضيلتكم إعطائي تفسيراً علمياً دقيقاً عن تطور الجنين في بطن الأم كما جاء في القرآن، مع ما جاء في العلم الحديث، وهل هو متوافق مع العلم؟ وجزاكم الله خيراً.

الجواب

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله, وبعد:
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
إجابة على السؤال حول مراحل تطور الجنين البشري في القرآن الكريم، ومدى تطابقها مع المعطيات العلمية الحديثة؛ أقول مستعينا بالله العلي العظيم، القادر وحده على كل شيء:
ليس غرض القرآن أن يعطي المخاطب درساً في علم الأجنة على نحو المقررات الدراسية اليوم, وإنما يمد بصره في نظرة أوسع من آفاق المألوف تعيده إلى البداية، حيث لم يكن شيئاً لتقوده إلى اليقين بقدرة الله؛ يقول العلي القدير: "أَوَلاَ يَذْكُرُ إلإِنْسَانُ أَنّا خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً" [مريم: 67], وفي ثنايا العرض ترد في عفوية جملة من الحقائق التي لم يكن يعلم بها أحد زمن التنزيل؛ يقول العلي القدير: "هَلْ أَتَىَ عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مّنَ الدّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئاً مّذْكُوراً. إِنّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن نّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً" [الإنسان: 1-2], فلم يكن يعلم أحد بتكون الجنين من بويضة مخصبة Fertilized egg تماثل "نطفة" أي قطرة ماء غاية في الضآلة، ذات أخلاط تحتوي على مكونات وراثية من الأبوين؛ نسميها اليوم كروموزومات Chromozomes.
ويكفيك أن تعرف أن الإدراك بتكون الجنين من أخلاط من الجنسين؛ أي أمشاج, لم يتحقق إلا بعد عقود من اكتشاف المجهر في القرن السابع عشر, وأول من استخدم عدسة بسيطة في دراسة أجنة الدجاج هو هارفي Harvey عام 1651م، ولصعوبة معاينة المراحل الأولى استنتج أن الأجنة ليست إلا إفرازات رحمية, وفي عام 1672، اكتشف جراف Graaf حويصلات المبايض Graafian Follicles وعاين حجيرات في أرحام الأرانب الحوامل تماثلها، فاستنتج أن الأجنة ليست إفرازات من الرحم وإنما من المبايض, ولم تكن تلك التكوينات الدقيقة التي عاينها جراف سوى تجاويف في كتل الخلايا الجنينية الأولية Blastocysts, وفي عام 1675م عاين مالبيجي Malpighi أجنة في بيض الدجاج، واعتقد بأنه يحتوى على كائن مصغر ينمو في الحجم فحسب، ولا يتخلق في أطوار, وباستخدام مجهر أكثر تطوراً اكتشف هام Hamm وليفنهوك Leeuwenhoek الحوين المنوي عام 1677م، وظنا أيضاً أنه يحتوي على الإنسان مصغراً, وفي عام 1827م عاين فون بير von Baer البويضة, وأخيراً انتهى الجدل حول فرضية الخلق المكتمل، وتأكدت أهمية كل من الحوينات المنوية والبويضة، واستقرت حقيقة التخلق في أطوار, وفي عام 1878م اكتشف فليمنج Flemming الكروموزومات, وفي القرن العشرين تم التحقق نهائياً من احتواء البويضة المخصبة على تلك الأخلاط الوراثية، والتخلق من الذكر والأنثى [The Developing Human, Keith L. Moore, Fourth ed.,1988, Saunders Comp., Toronto, P: 7-11, 14.].
وبديهي أن يسعى المعاند إلى التهرب من الحجج بكل وسيلة ممكنة, لكن تأكيد القصد في البيان بالتثنية يغلق عليه الأبواب، فترسمه المخيلة مغلق العينين عن الحقيقة الساطعة, يقول العلي القدير: "يَأَيّهَا النّاسُ إِنّا خَلَقْنَاكُم مّن ذَكَرٍ وَأُنْثَىَ" [الحجرات: 13], قال القرطبي: بيَّنَ الله –تعالى- في هذه الآية أنه خلق الخلق من الذكر والأنثى..
وقد ذهب قوم من الأوائل إلى أن الجنين إنما يكون من ماء الرجل وحده، ويتربى في رحم الأم، ويستمد من الدم الذي يكون فيه.. والصحيح أن الخلق إنما يكون من ماء الرجل والمرأة لهذه الآية؛ فإنها نص لا يحتمل التأويل"[ تفسير القرطبي ج: 16 ص: 342و343.].
وفي قوله تعالى: "فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً"؛ سبقت وظيفة السمع في مقام بيان أطوار التخليق وظيفة البصر, ووظيفة السمع خلال تكون الجنين تسبق بالفعل وظيفة البصر، حيث تبدأ العمل ابتداء من الشهر الخامس بينما يتأخر البصر, فهل هي مصادفة أن يتفق النظم مع الواقع، أم هو الإحكام في البيان والبينة على التنزيل؟ وهكذا كلما غصت أكثر نحو الأغوار، كان رصيدك أكثر من دلائل الإحكام في البيان الموافق الحقيقة من كل وجه.
ولصعوبة الرؤية في المجاهر الأولية رسم داليمباتيوس Dalempatius الإنسان كاملاً داخل رأس الحوين المنوي عام 1699م, أي قبل بداية القرن 18 بعام واحد فقط, بدون إدراك لتخلق الجنين من الأبوين في أطوار, بينما يعلن القرآن الكريمبجلاء- منذ القرن السابع الميلادي بتخلق الجنين في أطوار, يقول العلي القدير: ﴿مّا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ لِلّهِ وَقَاراً. وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً﴾ [نوح: 13-14].


وقد تتلاحق المشاهد في سرعة خاطفة لتبرز النقلات الواسعة في إنجاز المشروع الخلقي والقدرة الفائقة وفق تقدير غاية في الإحكام من مكونات ضئيلة، ليس لها في مرأى العين وجود, فتتجلى القدرة المبدعة في جلاء يعمق اليقين بقدرة الخالق وإمكان البعث, يقول العلي القدير: "قُتِلَ الإِنسَانُ مَآ أَكْفَرَهُ. مِنْ أَيّ شَيءٍ خَلَقَهُ. مِن نّطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدّرَهُ ثُمّ السّبِيلَ يَسّرَهُ" [عبس: 17-20], ولكن العجيب أن تتخفى الحقائق في ثنايا العرض فلا يكاد يلمحها إلا العالمون, فبعد تكون البويضة الملقحة مباشرة يتكون البرنامج الوراثي، وتقدر بالفعل سمات الجنين.
ويرجع القرآن بالإنسان إلى أصول أولية للبويضة المخصبة نحو السائل المنوي المماثل للماء عديد النطف، وأصول جيولوجية أبعد كالطين، ليدرك أن معرفة الله وعبادته هي القصد من كل تكوين, يقول العلي القدير: "الّذِيَ أَحْسَنَ كُلّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنْسَانِ مِن طِينٍ. ثُمّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلاَلَةٍ مّن مّآءٍ مّهِينٍ" [السجدة: من 7-8].
وندرك اليوم أهمية المني في الإنجاب, ونعرف أن نخبة أو سلالة هي التي تنجح بالفعل في بلوغ البويضة, ويرجع القرآن بالإنسان إلى أصل ضئيل في مرأى العين، ويمضى به نحو قاع الضآلة، ثم ينقله فجأة إلى وليد مكتمل القسمات ليشهد بالقدرة المفزعة, يقول العلي القدير: "أَلَمْ نَخْلُقكّم مّن مّآءٍ مّهِينٍ. فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مّكِينٍ. إِلَىَ قَدَرٍ مّعْلُومٍ. فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ" [المرسلات: 20-23]، وفي قوله تعالى: "كَلاّ إِنّا خَلَقْنَاهُم مّمّا يَعْلَمُونَ" [المعارج: 39]؛ يشير إلى الإبهام بضآلة الأصل، ويضاعف الإعراض قدر الجريمة، ويجعل المتهم شاهد عيان يعرف بنفسه الحكم.
ولا يقوم بالإخصاب إلا مكون منوي واحد من السائل المنوي المماثل للماء عديد النطف (حوالي 60 مليون\ ميلليليتر), يقول العلي القدير: "أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى. أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مّن مّنِيّ يُمْنَىَ" [القيامة: 36-37], والمدهش أن يعدل القرآن في وصف مكونات المني المماثل للماء إلى اسم الفاعل "دافق" بدلا من اسم المفعول قبل أن نعاين بالمجهر حركته الذاتية, يقول تعالى: "فَلْيَنظُرِ الإِنسَانُ مِمّ خُلِقَ. خُلِقَ مِن مّاءٍ دَافِقٍ" [الطارق: 5-6].
ويحتوي الحوين المنوي على نصف عدد الكروموزومات، وتحتوي البويضة على النصف المكمل, والحوينات إما أن تكون ذات شارة تأنيث؛ لوجود كروموزوم الجنس فيها على هيئة (Y) أو تكون ذات شارة تأنيث لوجوده على هيئة (X) بينما لا تملك البويضة إلا شارة تأنيث, ولذا يرجع تحديد جنس الجنين إلى المني فحسب, وهو ما تطالعه في قوله تعالى: "وَأَنّهُ خَلَقَ الزّوْجَيْنِ الذّكَرَ وَالاُنثَىَ. مِن نّطْفَةٍ إِذَا تُمْنَىَ" [النجم: 45-46], وقوله تعالى: "أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مّن مّنِيّ يُمْنَىَ. ثُمّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوّىَ. فَجَعَلَ مِنْهُ الزّوْجَيْنِ الذّكَرَ وَالاُنثَىَ" [القيامة: 37-39].
ويبين القرآن بالتفصيل تباين أطوار تكون الجنين في تعبيرات وصفية بالغة الإحكام, يقول العلي القدير: "وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِن سُلاَلَةٍ مّن طِينٍ. ثُمّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مّكِينٍ. ثُمّ خَلَقْنَا النّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ" [المؤمنون 12-14].
ومشهد محاكمة المعاند مألوف خلال عرض مثل تلك الحقائق فضحاً لما في طويته من مكابرة وعناد, وترى غالباً ذلك الناكر في زاوية من المخيلة يترقب إصدار الحكم يشاهد مع الحضور دلائل التنزيل, وفي المحاكمة يجعلك التعبير تعجب من الجسارة وجسامة الجريمة آملا أن ينال المجرم أقصى عقوبة خاصة مع النقلة العاجلة التي تجلي عناية الله وقدرته, يقول تعالى: "خَلَقَ الإِنْسَانَ مِن نّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مّبِينٌ" [النحل: 4], ويقول تعالى: "أَوَلَمْ يَرَ الإِنسَانُ أَنّا خَلَقْنَاهُ مِن نّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مّبِينٌ" [يس 77], حقائق مبهرة، وتألق في مهابة, فأين المهرب إذن!, يقول العلي القدير: "فَأيْنَ تَذْهَبُونَ. إِنْ هُوَ إِلاّ ذِكْرٌ لّلْعَالَمِينَ. لِمَن شَآءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ" [التكوير: 26-28].

(((()))))

سؤال 4

تساؤلات حول كتاب الطب الوقائي من القرآن والسنة

ما صحة ما نقله الدكتور عبد الباسط محمد السيد في كتابه (حول الإعجاز العلمي في الطب النبوي)، أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- كان: يفطر على العسل مخلط مع الماء، ثم في وقت الضحى كان يأكل سبع تمرات مع اللبن، وفي الظهر كسرة خبز شعير مع الخل، وبعد العصر جزرا مع عود من البقدونس، وكان عشاؤه اللبن الرائب مع كسرة الشعير، وكان ينهى عن إدخال طعام في طعام، وكان يأكل الثريد مرة كل شهر، وكان يقول سيد الطعام الثريد، وكان يمشي بعد العشاء مقدار البقرة وآل عمران ( أرجو ذكر المراجع لتثبيتها في بحثي).

الجواب

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله
وبعد:
كتاب الدكتور عبد الباسط محمد السيد اسمه "الطب الوقائي من القرآن والسنة", وقد صدرت منه الطبعة الأولى عام 1423هـ-2002م, دار ألفا مصر: alfa_eg@hotmail.com, ولم تقم أي جهة مسئولة مثل هيئة الإعجاز العلمي في القرآن والسنة برابطة العالم الإسلامي بتحقيقه, وقد وردت فيه أمور تستدعي التوقف, مثل قوله (ص59): "لقد أخذ كيث مور عينات من نطفة لم تبلغ 42 ليلة وحاول معرفة جنسها؛ ذكر أم أنثى, واستخدم كل وسائل التكبير والأشعة المتاحة فلم يستطع أبداً تحديد جنس النطفة, وظل يراقب النطفة طوال 42 ليلة حيث ظهر كروموزوم جنس الجنين في اللحظات الأخيرة.. وعندئذ نطق بالشهادتين وأشهر إسلامه", وهذا الأسلوب الدعائي في هيئة رواية غير منسوبة لأحد ينبذه التحقيق العلمي, خاصة أن هيئة الإعجاز العلمي في القرآن والسنة هي التي قامت بنفسها بمحاورة أستاذ الأجنة الكندي، وتعرف حقيقة ما حدث من وقائع, وهل يعذر الكاتب عدم تخصصه في الطب ليقرر ظهور كروموزوم جنسي في اللحظات الأخيرة بعد 42 ليلة, خاصة مع توفر من يفيده بيقين بأن حوامل الخصائص الوراثية (الكروموزومات) لا تظهر فجأة بعد 42 ليلة، وإنما توجد جميعا داخل الخلية البشرية الأولى؟, ولكن هذا مصير من يعدل عن التحقيق العلمي مهما كان غرضه, ومن ذلك قوله (ص61): "عملية انتخاب طبيعي للحيوان المنوي وللبويضة الأقوى والأصلح", وهي ليست إلا بويضة واحدة, وقوله (62): "وقد أثبت كيث مور أن كل السوائل في جسم الإنسان علق, فلو أخذ قليل من الدم ثم ترك ساكناً فإن كرات الدم الحمراء والبيضاء تترسب.. أي أن الدم علق", هكذا!, وقوله (ص 65): "أما عن ترائب المرأة أي عظام صدرها فقد أثبت العالم كيث مور أن هذه العظام تصل للمبيض الذي تنتج فيه البويضات, وهنا خر العالم الكندي ساجدا لله", ويقع المبيض في تجويف الحوض وليس له أي علاقة تشريحية بعظام الصدر, وهو أيضا يأتي بروايات لا ينسبها لأي كتاب من أمهات كتب الحديث، ولا يورد تحقيقها (مثلما في ص59و64), ولكنه لم يورد رواية السائل في كتابه، ولم أجدها في كتب الحديث, وفي الجملة لم يُنسج الكتاب على طريقة المختصين في التحقيق، وإنما كمرئيات شخصية، والأولى أن يعود السائل إلى المختصين في علم الحديث, والله أعلم.

(((()))))

سؤال 5

علماء الإغريق واكتشاف مراحل الجنين

هل صحيح أن علماء الإغريق القدامى مثل أرسطو اكتشفوا كيف يتم تكوين الجنين في بطن أمه؟ أي قبل نزول القرآن على سيدنا محمد -صلى الله عليه وسلم-؟ لأن هناك شخصاً هندوسياً تحدى القرآن، وأبطل كون القرآن كتاباً علمياً، وأنه سبق الكثير من العلوم الحالية في اكتشافاته مثل تكوين الجنين. والسلام عليكم ورحمة الله.

الجواب

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
بخصوص السؤال عن الحقائق العلمية المتعلقة بخلق الجنين، والتي كشفها القرآن الكريم هل كان يعرفها أحد زمن التنزيل؟؛
بديهي أن تسمع من المشككين مغالطات آملين التشويش على غير العارفين بالحقائق, ويكفي أن نخبة من كبار المختصين في العالم في علم الأجنة قد بهرتها الأوصاف العلمية الدقيقة في القرآن، فشاركت معنا في العديد من المؤتمرات العلمية الدولية، مقررة سبق القرآن للمعارف البشرية، ومعترفة أنه ليس بقول بشر, ومن هؤلاء (كيث مور) Keith Moore رئيس قسم التشريح وعلم الأجنة بجامعة (تورنتو) في كندا, ولك أن تطالع كتابه بالإنجليزية حول تخلق الجنين البشري The Developing Human لتجد أمامك مقابل حقائق علم الأجنة المكتشفة حديثاً على يد أشخاص معروفين نفس الدلالات في القرآن، لتشهد للكتاب الكريم بالتنزيل.
عاش المفكر الإغريقي أرسطو Aristotleفي القرن الرابع قبل الميلاد, وقد أصاب شهرة واسعة؛ نتيجة لتأملاته في كثير من الظواهر الطبيعية قبل اكتشاف المجهر في القرن السابع عشر, وله مساهمات تجريبية في وصف تطور جنين الدجاجة وغيرها بالعين المجردة، حتى إن البعض يعتبره واضع أساس علم الأجنة, ومع ذلك فقد جاءت الثورة العلمية الحديثة ابتداء من القرن السابع عشر بمكتشفات نقضت معتقداته, ومن ذلك اعتقاده بتخلق الجنين من دم الحيض نتيجة للاتحاد مع السائل المنوي, وليس هو أول من وصف تطور جنين الدجاجة من الإغريق فقد سبقه (أبو قراط) Hippocrates بحوالي قرن عدا كثير من اجتهاداته في الطب، حتى إن كثيراً ممن يحاول من الغربيين قصر نسبة تاريخ العلوم على أسلافه يعتبره أبا الطب, وربما كان (جالن) Galen الذي عاش في القرن الثاني قبل الميلاد أكثر دقة من أرسطو في كثير من أوصاف أجنة الحيوان بالعين المجردة, وفي العصور الوسطى قبل عصر النهضة عاشت أوروبا في كساد علمي لم يتجاوز كثيرا ترديد أفكار الإغريق, ولذا يتعجب البروفيسور (كيث مور) في كتابه من وفرة وتآزر الحقائق العلمية المتعلقة بخلق الجنين في القرآن, فيقول: "لم تُضف في العصور الوسطى معلومات ذات قيمة في مجال تخلق الجنين, ومع ذلك قد سجل القرآن في القرن السابع وهو الكتاب المقدس عند المسلمين أن الجنين البشري يتخلق من أخلاط تركيبية من الذكر والأنثى, مع بيان تخلق الجنين في أطوار ابتداءً مما يماثل في التركيب قطيرة أو نطفة تنغرس وتنمو في الرحم كالبذرة.. ومع وصف الجنين في أول مرحلة بما يماثل العلقة Leech التي تعيش على مص دماء الغير، ثم مما يماثل كتلة ممضوغة بما فيها من علامات أسنان وانبعاجات وهو ما يتفق تماما مع تطور الأعضاء في المرحلة التالية, وإذا أردت مزيدا من الأوصاف العلمية في القرآن في مجال علم الأجنة فإني أحيلك إلى كتابي طبعة 1986.., مع العلم أن أول من درس جنين الدجاجة باستخدام عدسة بسيطة هو (هارفي) Harvey عام 1651, ودرس كذلك أجنة الأيل Deer ولصعوبة معاينة المراحل الأولى للحمل استنتج أن الأجنة ليست إلا إفرازات رحمية, وفي عام 1672 اكتشف جراف Graaf حويصلات في المبايض ما زالت تسمى باسمه Graafian Follicles وعاين حجيرات في أرحام الأرانب الحوامل تماثلها، فاستنتج أن الأجنة ليست إفرازات من الرحم وإنما من المبايض, ولم تكن تلك التكوينات الدقيقة التي عاينها (جراف) سوى تجاويف في كتل الخلايا الجنينية الأولية Blastocysts, وفي عام 1675 عاين مالبيجي Malpighi أجنة في بيض دجاج ظنه غير محتاج لعناصر تخصيب من الذكر، واعتقد أنه يحتوى على كائن مصغر ينمو ولا يتخلق في أطوار, وباستخدام مجهر أكثر تطوراً اكتشف هام Hamm وليفنهوك Leeuwenhoek الحوين المنوي للإنسان للمرة الأولى في التاريخ عام 1677ولكنهما لم يدركا دوره الحقيقي في الإنجاب، وظنا أيضاً أنه يحتوي على الإنسان مصغراً لينمو في الرحم بلا أطوار تخليق, وفي عام 1759 افترض وولف Wolff تطور الجنين من كتل أولية التكوين ليس لها هيئة الكائن المكتمل, وحوالي العام 1775 انتهى الجدل حول فرضية الخلق المكتمل ابتداءً، واستقرت نهائيا حقيقة التخليق في أطوار وأكدت تجارب إسبالانزاني Spallanzani على الكلاب على أهمية الحوينات المنوية في عملية التخليق.. وقبله سادت الفكرة بأن الحوينات المنوية كائنات غريبة متطفلة، ولذا سميت بحيوانات المني Semen Animals, وفي عام 1827 بعد حوالي 150 سنة من اكتشاف الحوين المنوي عاين (فون بير) von Baer البويضة في حويصلة مبيض إحدى الكلاب, وفي عام 1839 تأكد شليدن Schleiden وشوان Schwann من تكون الجسم البشري من وحدات بنائية أساسية حية ونواتجها، وسميت تلك الوحدات بالخلايا Cells وأصبح من اليسير لاحقا تفهم حقيقة التخلق في أطوار من خلية مخصبة ناتجة عن الاتحاد بين الحوين المنوي والبويضة.. وفي عام 1878 اكتشف فليمنج Flemming الفتائل الوراثية Chromosomes داخل الخلايا, وفي عام 1883 اكتشف بينيدن Beneden اختزال عددها في الخلايا التناسلية, وفي القرن العشرين تم التحقق نهائيا من احتواء الخلية البشرية الأولى Zygot على العدد الكامل من تلك الأخلاط الوراثية من الذكر ومن الأنثى وعُرف عددها" .
هذا هو تاريخ اكتشاف تلك الحقائق التي سبق القرآن وذكرها قبل اكتشافها بقرون, فكيف لمحقق أن يجهلها أو يتجاهلها ويعارض الحقيقة إلا ويتهمه التاريخ والعلم بالجهل أو الحيدة عن الإنصاف!, يقول العلي القدير: "مّا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ لِلّهِ وَقَاراً. وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً" [نوح: 13و14], ويقول عز وجل: "يَأَيّهَا النّاسُ إِنّا خَلَقْنَاكُم مّن ذَكَرٍ وَأُنْثَىَ" [الحجرات: 13], قال القرطبي: "بَيَّنَ اللهتعالى- في هذه الآية أنه خلق الخلق من الذكر والأنثى، وقد ذهب قوم من الأوائل إلى أن الجنين إنما يكون من ماء الرجل وحده، ويتربى في رحم الأم ويستمد من الدم الذي يكون فيه.. والصحيح أن الخلق إنما يكون من ماء الرجل والمرأة لهذه الآية فإنها نص لا يحتمل التأويل", ويقول عز وجل: "إِنّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن نّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ" [الإنسان: 2], قال الشوكاني: "وأمشاج صفة لنطفة وهي جمع مشج أو مشيج وهي الأخلاط والمراد نطفة الرجل ونطفة المرأة واختلاطهما", وقال ابن القيم: "الجنين يخلق من ماء الرجل وماء المرأة خلافا لمن يزعم من الطبائعيين أنه إنما يخلق من ماء الرجل وحده, إن فيض التفاصيل العلمية في القرآن، والتي يستحيل أن يدركها بشر زمن التنزيل هي بعض دلائل النبوة الخاتمة التي تسطع اليوم أمام النابهين.

د. محمد دودح

 

أرسل لنا اقتراحك في خطة هذا البحث من خلال مراسلتنا اضغط هنا .

بسم الله الرحمن الرحيم "اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (5)" سورة العلق.

على اسم الله والشورى ، جعلنا الدين دستورا ، وسرنا في طريق الحق ، كان كتابنا النورا